الشوكاني
270
فتح القدير
ولدا ، ثم وصف الكلمة بقوله ( تخرج من أفواههم ) وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها ، والخارج من الفم وإن كان هو مجرد الهوى ، لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهوى أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل . ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال ( إن يقولون إلا كذبا ) أي ما يقولون إلا كذبا لا مجال للصدق فيه بحال . ثم سلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم ) قال الأخفش والفراء : البخع الجهد . وقال الكسائي : بخعت الأرض بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة ، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها . وقال أبى عبيدة : معناه مهلك نفسك ، ومنه قول ذي الرمة : * ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه * فيكون المعنى على هذه الأقوال لعلك مجهد نفسك أو مضعفها أو مهلكها ( على آثارهم ) على فراقهم ومن بعد توليهم وإعراضهم ( إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ) أي القرآن وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله . وقرئ بفتح أن : أي لأن لم يؤمنوا ( أسفا ) أي غيظا وحزنا وهو مفعول له أو مصدر في موضع الحال كذا قال الزجاج ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) هذه الجملة استئناف . والمعنى : إنا جعلنا ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها من الحيوانات والنبات والجماد كقوله سبحانه - هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا - وانتصاب زينة على أنها مفعول ثان لجعل ، واللام في ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) متعلقة بجعلنا ، وهى إما للغرض أو للعاقبة ، والمراد بالابتلاء أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان . وقال الزجاج أيهم رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام ، والمعنى : لنمتحن أهذا أحسن عملا أم ذاك ؟ قال الحسن : أيهم أزهد ، وقال مقاتل : أيهم أصلح فيما أوتي من المال ، ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال ( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) أي لجاعلون ما عليها من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا صعيدا ترابا . قال أبو عبيدة : الصعيد المستوى من الأرض . وقال الزجاج : هو الطريق الذي لا نبات فيه قال الفراء : الجرز الأرض التي لا نبات فيها ، ومن قولهم : امرأة جرزا إذا كانت أكولا ، وسيفا جرازا إذا كان مستأصلا ، وجرز الجراد والشاة والإبل الأرض إذا أكلت ما عليها . قال ذو الرمة : طوى النحز والاجراز ما في بطونها * ومعنى النظم لا تحزن يا محمد مما وقع من هؤلاء من التكذيب فانا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم ، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازوهم إن خيرا فخير ، وأن شرا فشر . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) الآية قال : أنزل الكتاب عدلا قيما ( ولم يجعل له عوجا ) ملتبسا . وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ( قيما ) قال : مستقيما . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ( من لدنه ) أي من عنده . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى ( حسنا ) يعنى الجنة ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) قال : هم اليهود والنصارى وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية ابن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه ، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة ، فأحزنه حزنا شديدا ، فأنزل الله سبحانه ( فلعلك باخع نفسك ) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ( باخع نفسك ) يقول : قاتل نفسك وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى مثله . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ( أسفا ) قال : جزعا . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ( أسفا ) قال : حزنا .